قراءة في عتبات النص ومقامات التأويل .. رائحة سعيد الحاتمي نموذجا
كتبهاناصر أبو عون ، في 4 أكتوبر 2008 الساعة: 10:31 ص
رائحة لم ينتبه لها أحد لـ سعيد الحاتمي
قراءة في عتبات النص ومقامات التأويل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناصر أبوعون ـ ملحق آفاق ـ جريدة الشبيبة العمانية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صديقي القاريء أنصحك ألا تقرأ هذه المجموعة إذا كانت حاسة الشم لديك معطلة لأسباب خارج نطاق التفسيرات الطبية ، لكن إذا قررت المجازفة وخوض غمار التجربة فأنصحك أن تبحث عن صديق صدوق يشاركك جنون الرغبة في السباحة ضد تيار الوعي .. كم هي قليلة تلك الأعمال التي تثير فينا شهية القراءة وتستدعي لذة التأويل وتخرج بنا إلى واحة السؤال وتستفتح الأبواب المغلقة على عوالم شتى من الأفكار لنصطاد عصافير الأسئلة .. إنه عالم سعيد الحاتمي في رائحته التي لم ولن ينتبه لها أحد !!
* مدخل إلى عتبات النص
توجد العديد من المواقع الاستراتيجية تسمى العتبات paratexte يمكن من خلالها الولوج إلى مجموعة ( رائحة لم ينتبه لها أحد ) للقاص المقل سعيد الحاتمي ، والتي هي بمثابة تمفصلات ووقفات تصبُّ في مفهوم أكثر عمقاً للدلالة ، استباقاً وارتجاعاً في منظومة تلقي النص؛ بين التَّوقع والمرجعية.
ومن أهم العتبات التي يمكننا الوقوف عندها في مجموعة سعيد الحاتمي هي : العنوان، الحاشية، المقدمة ، المطلع ، الذروة والمقصود بها عند ( فيليب هامون ) ذروة النص كما هو الحال في العقدة القصصية على سبيل المثال ، والتحوُّل ،والاستطراد، والوقف .
ولكن هنا لابد من طرح السؤال عن العلاقة بين العتبات والنص / العمل الأدبيّ؛ إنها علاقة جدلية مرجعية ، لا تتخذ شكلاً مستقيماً ، له نقطة بداية ونهاية ، ( حميد لحمداني ) فالعنوان مثلاً بوصفه عتبة بداية، وباعتباره مظهراً من مظاهر العتبات ؛ ذو طبيعة مرجعية ، لأنه يحيل إلى النص ، كما أن النص يحيل إليه .
* عتبة العنوان \ تأويل العابر
لم يكن سعيد الحاتمي في اختياره عنوان مجموعته سلبيا ليقع اختياره على عنوان نمطيّ يركن إليه كثير من الكتاب الذين تسابق أحلامهم تروس المطابع ويحاولون أن يتقيأوا أفكارهم المستهلكة على بياض الورق ليضيفوا رزمة من الورق تحط رحالها في أرفف ديكورات الصالونات أو تنام في سبات عميق ملتحفة بالتراب لاتمتد إليها يد أو يبحث عنها عقل ؛ لم يكن سعيد الحاتمي في اختياره للعنوان تقليديا أومطروقا أوتعيينيا أو وعُرفيا( عبد الله الفيفي ) بل قرر أن يتجاوز ما سبق من مألوف، إلى ما يتولَّد عنه مفاجأة القارئ بعنوان لا يقتصر على إثارة الانتباه فحسب؛ وإنما أيضاً يثير فضول التساؤل لديه ؛ إنه عنوان لا يتركهالقاريء يطمئن إلى جمالية العبارة أو مفارقة الدلالة فيه، لكنه يستدرجه إلى الدخول في الحدثية النصيَّة، عبر مفتاحية العنوان الذي يُلتقَط من قلب المشهد القصصي ، وهو في ذُراه، وبهذا يقدّم الحاتمي إلى القارئ طرفاً من نصٍّ يغريه باستدعاء سائره .
فمن الناحية التركيبيّة، يُلاحظ أنّ العنوان عبارة عن جملة اسميّة تبتدئ بنكرة (رائحة )، والتي تتكررت في كافة قصص المجموعة إما بلفظها وإما بمعناها وكثيرا برمزيتها وهو ما يجعل دلالتها عامّة مبهمة تحفّز القارئ على معرفة طبيعتها ونوعيتها أما من الناحية الدلاليّة، فإنّ الدلالة المباشرة للعنوان تُخفي وراءها دلالة غير مباشرة ، لأنّ العنوان رمزيّ استعاريّ ، (رائحة الفساد ، الخيانة ، القهر الاجتماعي إلخ ) .
ولأنه لايجوز لغويا الابتداء بنكرة فإنا سعيد الحاتمي أجــــاز هذا على تقدير محـــذوف لا للجهل به وإنما لوضوحه وضوح الشمس في الظهيرة وجاء تقديم الجار والمجرور( لها ) وتأخير الفاعل ( أحد ) لتأكيد احتفاء الحاتمي بـ (الرائحة ) ونفيه لهذا الـ(أحد)فهو لايستأهل من سعيد الحاتمي نظرة لأنه أصبح غائبا ومغيَّبًا بإرادته .
* عتبة الغلاف \ تأويل الظاهر
تمثل لوحة الغلاف للتشكيلي هلال البــــــادي النص المــــوازي لمجموعة سعيد الحاتمي ، ومصطلح النص الموازي (LeParatexte)يشيــر إلى العناصر الموجودة على حدود النص، داخله وخارجه في آن ، تتصل به اتصالا يجعلها تتداخل معه إلى حد تبلغ فيه درجـــة من تعييـــــن استقلاليته ، وتنفصل عنه انفصالا يسمح للداخل النصي ، كبنية وبناء، أن يشتغل وينتج دلاليته ( محمد بنيس ) وترجمة المصطلح الغربي إلى لغتنا العربيـــــة بمعنى المحاذاة والتفاعل معا و في اللغة توازى الشيئان : تحاذيا وتقابلا وذلك حتى يشمل المصطلح الصنفين السابقين من الموازي النصي (أي النـــص الداخلي والنــــــص الفوقــي الخارجي)(محمد الهادي ) وفيهما ما لا يجاور المتن في نفس الأثر كأن يكون شهادة أو تعليقا أو توضيحا، إذا جاء متأخرا عن طبعه ونشره وتمثل لوحــــة الغلاف صورة زيتية على شكل ( منحوتة ) لوجه العماني في \ من صخر ؛ يطلع من رحم الشقاء وينظر بعين الحقيقة إلى العالم من حوله ، وجــــــاء هذا التشكيل الفني للغلاف معبرا عن مصير الشخصيات ومتـــوافقا مع رؤية الحاتمي بل يمكنني القول إن هلال البادي كان متورطا في الفهــــــــــم ومتلبِّسا بالرؤية ذاتها وكان قصديا في اختياره التصميم بغية إبداع نص موازٍ لنصوص المجموعة القصصية .
* عتبة الخطوط \ تأويل الآخر
استخدم مصمم الغلاف هلال البادي ثلاثة أنواع من الخطوط في لوحة الغلاف وجاءت هذه الخطوط كجزء من البناء التشكيلي والذي يعتمد مزيجا من الأشكال الهندسية النقية الأساسية وبين ما يمكن أن يُسمى التشكيل المورفولوجي ذو الدلالة الرمزية المتعلقة بالثنائيات وهذه الأشكال يمكن النظر إليها عبر الفراغ المحسوس فالنقطة تتبلور إلى خط مستقيم ويتبلور الخط في انحنائه إلى قوس يتشكل في النهاية ليصنع سطحا وتتشكل سطوح صماء والتي هي في النهاية نواتج الخط .
وجاءت حروف اسـم القاص بخط خاضع لقــــواعد صارمة تمتاز بتناسق بنائها في شكل أفقيّ يُنتج مفعـــولا تشكيليا مبنيا على الإيقاع والحركة اللذين تكثفهما وصفية الحروف العربية والتي لا تحتفظ بوضــــوحها فحسب بل دائما تنال بعدا رمزيا أكثر لتأكيد رؤية المؤلف ومصمم الغلاف .
وإذا كان اللون يُعرّف بأنه ظاهرة من النور أو الإدراك البصري ويمكّن الإنسان من التمييز بين الأشياء التي لولا اللون لكانت متطابقة ؛ فإن قلنا إن ( الحقيقة تتداخل مع الحياة .. جاز لنا القول بأنها ـ أي الحقيقة ـ تُرَى من خلال الألوان المختلفة، وتتكون المنظومة اللونية للغلاف من صيغتين لونيتين متضادتين ( الأبيض والأسود ) حيث يغطي الأسود سطح الغلاف بكثافة من أعلى إلى أسفل منتهيا بمنطقة رمادية كمنطقة محايدة بين الأبيض والأسود وهي منطقة محظورة على كل صاحب فكر وإبداع فالحياد محض خيال وكأن منظومة المؤلف \ المصمم قصدت التأكيد على إنه لا أمل.
واللون الأبيض الذي يشكل الخطوط المضيئة وبقع الضوء المتقاطعة والمشعة من لوحة الوجه العماني والأقواس وأنصـاف الدوائر ويتناسق مع الأسود حيث يسطع الأبيض في الفراغات وكأن المصمم أراد التأكيــــــد على حقيقة واحـــدة مفـــــادها أن كل شيء حولنا يمكن أن يتغير إلى الأفضـــل بفعل الإنسان وإرادة الإبداع .
* عتبة الواقع \ تأويل الساحر
بعد أن أشرنا إلى المواقع الاستراتيجية في مجموعة سعيد الحاتمي ، والتي تمثل في نصوصه تمفصلات ووقفات أكثر أهمية؛ تصبُّ في مفهوم أكثر عمقاً للعتبات، استباقاً وارتجاعاً في منظومة تلقي النص؛ بين التَّوقع والمرجعية ؛ يمكننا التأكيد هنا على وجود إشارات لما يسمى بالواقعية السحرية استطاع سعيد الحاتمي أن يتبناها ويحافظ على توازن فعل القص حتى تفلت الأزِمَّة من عقالها وينقلب السحر على الساحر فيتحول بالنص إلى الفانتازيا ؛ وعلى كل فقد نجح في تأطير نصوص قصصه بما يسمى في الاصطلاح النقدي بالواقعية السحرية وإن كنت على يقين أن القاص هنا لم يكن على وعي بهذا المصطلح .
ومما قاله ماركيز فى ذلك : « إن الأشياء الأكثر دخولا فى حالة الاعتساف الظاهرى تحكمها قوانين ، والمرء يستطيع أن يزيح مساحة العقل بشرط ألا يقع فى الفوضى ، أى فى اللاعقلانية المطلقة » فجارثيا ماركيز إذن يكره اللاعقلانية المنفلتة وعندما سأله ميندوثا عن سبب ذلك قال : « لأنى أعتقد أن الخيال ماهو إلا أداة لتشكيل الواقع لكن مصدر الخلق أولا وأخيراً هو دائماً الواقع، أما الفانتازيا، أو الاختراع الخالص والبسيط، على طريقة والت ديزنى، فهـــو أكثر الأشياء إثارة لكراهيتى » وليس معنى ذلك أن الجمع بين الواقع والسحر أو الفانتازيا ينتج بشكل آلى واقعية سحرية ، لأن هناك شروطا أخرى كثيرة لابد أن تتحقق كى تؤدى إلى ابداع قصصى حقيقى ، من ذلك التناول الشعرى للواقع ، واستخدام لغة تتواءم مع هذا الواقع السحرى وتتناغم معه ، والموهبة، والوهج الفنى ، ومعرفة استخدام التقنيات الجديدة فى فن القص واستيعاب الأعمال الإبداعية البارزة ، وانسجام الرؤية يما يتفق مع جوهر الفن ، وغير ذلك من شروط وظواهر لا تتحقق إلا عند كاتب متميز .
وفي ( رائحة لم ينتبه لها أحد ) يرسم سعيد الحاتمي تفاصيله رسماً موغلاً في البساطة والألفة مما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث حيث يجاوره ويتداخل فيه لكن القاص لا يرسمه للإمتاع فقط ، وإنما للإيحاء بفكرة فلسفية أو مجموعة أفكار منها أن العالم الذي نراه مألـــــوفاً فيه قــدر كبير من الغرابة، فالواقعية السحرية إذن تجمع بين الواقع والفانتـــــــــازى، لكن ليس معنى ذلك أن يتخيل المرء أو يخترع كل ما يعن له، بدون ضوابط لأن المسألة عندئذ تتحول إلى نوع من الأكاذيب ؛ والأكاذيب فى الأدب أكثر خطورة منها فى الحياة الواقعية .
* عتبة اللغة والشكل \ تأويل الجائر
إذا كانت اللغة هي وعاء الفكـــــر فأن الكتابة هي وسيلة نـــــقل الأفكار ، بكل ما تحمــله من إمكانيات بلاغية وصوتية وموسيقية ، استخدمها القاص وبرع فيها ونجد هذا واضحا في التكثيف والاختــــــزال ، والاختيار الدقيق للكلمات والمعاني ، وهو أحد ملامح القصـــــة القصيرة والجديد هنا أن سعيد الحاتمي استطاع استدراج اللغة إلى مناطق مغايرة وغير معتادة وأناط بها وظائف أخرى وأثقل كاهلها بكثير من الألفاظ التي تحتمل التأويل على أكثر من وجه ؛ لغة تغترف من ذات تميل الى البــــــوح ، لذا جاءت في كثير من النصوص لغة شاعرية ذات مسحة رومانسية لا تخفى على العين (مصطفى لغتيري )حيث نجح الحاتمي في أن يفجر طاقته الأدبية عبر مسار الحكي حينا ، وفي الوصف حينا آخر إنها لغة تفتتن بذاتها الفاظها منتقاة تزيد كثــــــــــرة الأوصاف والنعوت من حدة اشتعالها مما يجعلها لغة تتاخم لغة الشعر ، وتعمَّد ا توظيفها بنوع من الحياد ، لتساهم في بناء عالم ( الفانتازيا المتخيل ) في حضرة ( الواقع المعاش ) وقد نجح سعيد الحاتمي في ( رائحة لم ينتبه لها أحد و على مستوى الشكل ، أن يستخدم تقنيات السينما ، خصوصا على مستوى بنية الزمان والمكان ، والفلاش باك ، والنهايـــــات المفتوحة ، وعدم الالتزام بحل الحبكة القصصية ، ويبرز هذا التأثر أكثر في فنية المونتاج ، أو القطــــــع والوصل ، فاعتمد في تكوين الصورة الكلية ، من خلال جمع الصور الصغيرة ويمكن الوقوف على ثلاث مستويات للراوي في المجموعة هي :
* الراوي المحايد : وهو السائد في النصوص ، لأنه عين الكاميرا الناقلة لكل ما تصادفه دون تعليق أو تدخل ، مثاله نص : التطـــواف حيـث الـ .. لو ..
* الراوي المشارك : وهو الراوي الذي يشارك بوعي خارجي ، فيكون تدخله في النص بالاستطراد والإضــــاءة عبر مستويات متعددة من اللغــة القصصية الفصيحة ،الدارجة ، لغة ما بين الفصيحة والدارجة ، ومثاله نص علبة واحدة لاتكفي من الـ Tazgeen doog
* الراوي \ الكاتب : وهو الراوي المشارك في بناء القصص، والرابط بين الذات المتكلمة ومقاصد النص، ومثاله نصرائحة لم ينتبه لها أحد وبقية قصص المجموعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مراجعات نقدية | السمات:مراجعات نقدية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























يوليو 14th, 2010 at 14 يوليو 2010 6:44 م
Different people all over the world receive the business loans in various creditors, because this is simple.
سبتمبر 30th, 2010 at 30 سبتمبر 2010 2:31 م
It was many years ago we first selected Top Restaurants in the U.S. See it. http://restaurants-us.com/al/Hoover/Quiznos%20Sub/35244/